Opinions
مراكز لتنمية الثقافة المدنية وقيم المواطنة
محمد الحسيني
الغد الاردنية 13/6/2010
لفت نظري خبر يتحدث عن قيام وزارة الأوقاف بتجهيز 210 مراكز صيفية لتحفيظ القرآن في لواء الكورة، وستقوم الوزارة، كما ورد في الخبر، بـ"تعيين مشرفين عليها من ذوي الخبرة وستقوم بتعليم الدارسين والدارسات مجانا ولمدة شهرين على أحكام تلاوة القرآن الكريم وتحفيظ ما تيسر منه، إضافة إلى دروس أخرى في الفقه والسنة وبعض مضامين رسالة عمان".
بالتأكيد، فإن وجود مثل هذه المراكز هو أمر مهم إذا أخذنا بعين الاعتبار التركيبة المجتمعية الأردنية، كما أن إدراج "رسالة عمان" ضمن نشاط هذه المركز أمر لا يقل اهمية.
لكن هذا الخبر، جعلني أفكر واتساءل، لماذا لا تقوم جهات حكومية اخرى بتجهيز مراكز، في مختلف محافظات المملكة، على أن تكون هذه المراكز معنية بتنمية الثقافة المدنية وتفعيل مفهوم المواطنة لدى الطلبة؟
إن حاجتنا لمثل هذه المراكز لا تقل أهمية عن حاجتنا إلى مراكز تحفيظ القرآن، فالثقافة المدنية ومفهوم المواطنة يشكلان أحد أهم أساسات خلق مجتمع متمدن منتم لوطنه وبعيد عن الانتماءات الضيقة أيا كانت أشكالها أو أنواعها، مجتمع يمكنه أن يساهم في دفع عجلة التطور إلى الأمام على الصعد كافة وبالأخص السياسية منها والاجتماعية.
فنحن غالبا ما نبدي إعجابنا بسلوك الأفراد في المجتمعات الديمقراطية، إذ نجد أن الفرد، وبالتالي المجتمع، يحكم سلوكه بضوابط ذاتية من دون أن يحتاج إلى من يضبطه أو يراقبه.
على سبيل المثال، تباع الصحف في العديد من المدن الأوروبية من خلال وضعها في صناديق زجاجية مفتوحة ومن دون وجود بائعين، لكن من المستحيل أن يقوم أي مواطن في هذه المدن بأخذ الصحيفة من دون أن يترك ثمنها في الصندوق، ولو فعل ذلك لن يتمكن أحد من ملاحقته، وهذا مثال بسيط جدا على سلوك مدني محترم يقوم به المواطن تلقائيا كجزء من حياته اليومية.
هذا السلوك، وإن كان تلقائيا، إلا إنه لم يأت من فراغ، وليس وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات متبعة منذ عقود، هذه السياسات تبدأ مع الطلبة ومنذ سنواتهم الاولى، والأهم أن تطبيق هذه السياسات يتم بوسائل ديمقراطية تعزز من مبدأي الحرية الفردية والمسؤولية المجتمعية في الوقت ذاته.
وكما تم إسناد إدارة مراكز تحفيظ القرآن لأصحاب الخبرة والاختصاص، فإن إدارة مراكز التنمية المدنية المقترحة يجب أن يتم إسنادها إلى أهل الخبرة والاختصاص في هذا المجال، بخاصة من ناشطي مؤسسات المجتمع المدني المشهود لهم بالكفاءة والسمعة الطيبة.
تأسيس مثل هذه المراكز يمكن أن يتم من خلال جهد مشترك بين وزارات التعليم والتنمية السياسية والتنمية الاجتماعية، بالتنسيق مع المؤسسات الوطنية ذات العلاقة ومنظمات المجتمع المدني الوطنية، ولا مانع من الاستفادة من الخبرات الدولية في هذا المجال.
مع الوقت، ومع هذه الآليات، فإننا سنبدأ خطوة مهمة نحو خلق مجتمع اردني ينعكس انتماؤه للوطن من خلال سلوك أفراده.


.png)